الشيخ محمد هادي معرفة
256
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قيمة هذه المعرفة لمعرفة شأن النزول دورها الخطير في فهم معاني القرآن الكريم وحلّ معظلات التفسير في كلا مجالي الأُصول والفروع . . إنّها ترفع النقاب عن وجوه كثير من الآيات ، نزلت لتعالج مشكلة في وقتها ، لكنّها في نفس الوقت ذات وجه عامّ تعالج مشاكل الامّة عبرالحياة . . وربّما كان الوقوف على الحادثة الأُولى والمناسبة الأُولى التي استدعت نزولها ، من خير الوسائل لكشف الإبهام عن وجه الآية ، إذ فيها الإشارة لا محالة إلى تلك الواقعة بالذات . قال الواحدي : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان سبب نزولها . وجعل السيوطي من فوائد معرفة أسباب النزول ، الوقوف على المعنى وإزاحة الإشكال عن وجه الآية ، « 1 » الأمر الذي لامحيد عنه بعد أن كانت الآية مرتبطة بالحادث المستدعي للنزول وناظرة إليه . قال القشيري : بيان سبب النزول طريق قويّ في فهم معاني الكتاب العزيز . « 2 » ولذلك شواهد في التنزيل : قال تعالى : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . . . » . « 3 » فقد أُشكل على بعض المفسّرين هذا التعبير « لا جُناحَ عَلَيْهِ . . . » لأنّه لرفع الإثم وليس للإلزام ، فالآية تكون دالّة على جواز السعي بين الصفا والمروة لا الوجوب ، مع أنّه إجماعي . لكن إذا ما عرفنا سبب نزولها ، لم يبق مجال لهذا الإشكال . وذلك أنّ مراسيم الحج والاعتمار كانت معهودة منذ العهد الجاهلي غير أنّ العرب
--> ( 1 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 82 . ( 2 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 22 . ( 3 ) - البقرة 158 : 2 .